اليوم – لا بل الأمس، فالساعة قد تخطت منتصف الليل – طالعنا أول تصوير للأمين العام لحزب الله، السيد نصر الله منذ بدأ الهجمات المتبادلة في لبنان و إسرائيل
كان كل ما قاله معروف مسبقاً و غير مفاجئ – و هذا جيد في حد ذاته – كما جاء مطمئناً للعديد من المتابعين على صعيد ثبات حزب الله على مواقفه
لكن في كل هذا يبرز سؤال، ما يحدث فعلاً هناك؟ ليست هذه المرة الأولى التي يقوم الحزب بخطف جنود إسرائيليين، فلما كل هذه الضجة و العنف من الجانب الإسرائيلي؟ و ما الجديد هذه المرة؟ و لماذا الآن؟
أعتقد أنّي لدي سبباً لا يخلو من المنطق
منذ فترة ليست ببعيدة، قام العالم بشن حملة قوية و عالية الصوت – شارك فيها العرب بكل حماس* - من أجل خروج سوريا من لبنان بدعوى التحرير و دعم الديموقراطية و إنهاء "العدوان" السوري على الأرض اللبنانية (1). و قد كان. وخرجت سوريا وسط تهليلات و تكبيرات عربية بلهاء – و شامتة في أحيان أخرى – لتبقى لبنان بلا حكومة (2) و بلا قدرة على الدفاع عن نفسها؛ حيث أنّ الجيش اللبناني يفتقد إلى الكثير من القدرة و التدريب لأسباب سياسية عديدة كان المسؤولون عنها في معظمها القيادة السورية الغبية و المرتزقة السياسيون من قادة الأحزاب اللبنانية
بعد ذلك، قام حزب الله – أثناء عمليات روتينية و متكررة – بخطف جنديين إسرائيليين. كما قلت فقد حدث هذا كثيراً قبل هذه المرة. لكن هذه المرة إسرائيل أصابها جنون غير عادي. سارعت إلى شن حملات شديدة العنف و غير موجهه للمقاومة، ولم تقم حتى بطلب جاد للإفراج عن الأسيرين كما تقتضي الأمور. فقط هي أرادت الهجوم بقوة. لماذا؟؟
أثناء الضربات، أصابت إسرائيل - و عن عمد بالطبع - الطريق السريع بيروت – دمشق و الذي أعيد إفتتاحه من شهور فقط في إطار الإحتفال بالعلاقات الرائعة التي تربط البلدين (3) كما فرضت – إسرائيل – حصاراً حول لبنان. عجيييييييب، حصار لأي غرض؟؟ ههههههم
دعونا ننتقل لنقطة تالية
بعد عدة عمليات شديدة العنف لا تتناسب و خطف جنديين – ناهيك عن كونهم إسرائيليين – في أماكن متفرقة في لبنان، قام حزب الله بإغراق بارجة بحرية إسرائيلية، في تغير نوعي في قدرات المقاومة. و رداً على هذه العملية، قامت إسرائيل بمذبحة جديدة في مروحين – و التي لا تزال محاصرة و من بقي فيها - فيما يعتبر تصعيد لنبرة الشراسة و العنف غير المبرر من الجانب الإسرائيلي. لطالما كان الإسرائيليون مجرمين في ما يخص الإعتداءات أثناء الحروب، لكن أ ليس هناك ما يمكن قراءته بين السطور؟ أ لا يوجد ما يستحق إقتفاء أثره وسط كل هذا الخطوات من الأقدام الغليظة؟ لا أظن
لكن لنكمل سرد التفاصيل
المجتمعون في بروكسل من دول الثماني الكبار يخرجون بيان مشترك، يطلب الوقف الفوري لإطلاق النار من الجانبين، إلى جانب تسلييم الأسيرين و تمكين الحكومة اللبنانية من السيكرة على زمام الأمور – لا أدري كيف يمكن هذا بلا جيش! عن طريق فرق الكشافة للصبية؟؟ - و أخيراً تسلييم الوزراء و النواب الفلسطينيين لتهدأة الوضع في الأراضي المحتلة في غزة. أتى هذا البيان على شكله هذا بعد ضغط روسي من أجل تعديل الرغبة الأمريكية في إصدار بيان يدين حزب الله فقط و يدعم إستخدام القوة الإسرائيلية
:الآن، هل نرى أي رابط بين ما سبق؟ دعوني أعيد الصياغة
إخراج سوريا من لبنان -
إستغلال إختطاف جنديين من أجل شن حرب عنيفة على لبنان -
قصف الطريق الرابط بين لبنان و دمشق و حصار كامل للبنان -
تصعيد نبرة الهجوم في صورة مذبحة مروحين -
حسناً، لنعود حيث بدأنا، نصر الله. ماذا داخل هذا البث المصور؟ نصر الله يحاول طمئنة اللبنانيون إلى أنّ ترسانة حزب الله لم يستخدم منها إلا القليل. و أن "أصدقاء" حزب الله جاهزون و جادون في تعمير لبنان ما بعد الهجمات. أنا أصدق كل هذا. كلنا يعلم أن إيران كانت دائماً خلف حزب الله و ساندته خلال كل مراحله و أزماته. و هنا بيت القصيد
حزب الله – شأنا أم أبينا – ليس حركة ذاتية التمويل أو التنظيم. كما لم تنجح خلال الـ 25 عاماً الماضية في الذوبان في الواقع اللبناني – ربما ليس خطأها و لكنه بالتأكيد عيب قاتل – مما يجعلها شديدة الإعتماد على الجهات الممولة – إيران – سواء بالمال أو المعلومات الإستخباراتية أو السلاح و هو الأهم طبعاً
هنا يمكننا إدراك ما يحدث. إسرائيل لا يهمها الأسيرين و لا يهمها لبنان. هي فقط تريد إنهاء وجود حزب الله كحركة مقاومة منظمة، و تحويله إلى حركة سياسية - غير مؤمنة بالعنف – كما حدث مع فتح، أو على الأقل تحطيم و إستنزاف ترسانتها مما يحولها لميليشيا مقاومة – كما هو الحال في كل الحركات في العراق و حماس الفلسطينية – و هناك فرق كبير بين الحالين
لكن مشكلة إسرائيل عدم معرفتها لحجم قوة حزب الله، و هو ما وصفه نصر الله بـأنه "أكبر ميزة" لهم ضد إسرائيل. لذلك قامت بالأربع خطوات المذكورة سابقاً لحمل حزب الله على إظهار مدى قدراته سواء المادية من سلاح و ذخيرة و التكتيكية من حيث نوعية و تنظيم الهجمات. و هنا يكون السؤال الصعب
كم من الوقت يستطيع حزب الله الصمود و الأستمرار بشكل فعّال و حقيقي بمعزل عن الإمداد الإيراني و السوري؟
حزب الله يدرك هذا، و إن قال نصر الله خلاف ذلك؛ فليس مطلوباً منه أن يقول الحقيقه على الملأ و يخسر أهم ميزه تفاضلية أمام عدوّه! ايضاً إسرائيل تدرك هذا، و هذا يدع الطرفان أمام معظلة بسيطة؟ ماذا نفعل في المتبقي من الزمن؟
إسرائيل مضطرة إلى المبالغة في العنف و إلا لن يقوم حزب الله بالرد بما يضهر قوته الفعليه – و هو ما تريده إسرائيل من كل هذا – أو حتى ما هو أسوأ، ألا يقوم بالرد أصلاً كما إستمر طوال السنوات الماضية. و هذا سوف يضعها أمام موقف صعب على الصعيد الدولي و الإقليمي؛ حيث لن تسمح الكتلة الأوروبية و بعض الجهات المهمة في الولايات المتحدة بإستمرار وتيرة التصعيد في المنطقة المشتعلة أصلاً، ليس محبةً في العدل و لكن خوفاً من تأثير ذلك على أسعار النفط، والذي يؤثر إرتفاعه الجنوني سلباً على إقتصادات هذه الدول. و يمكن رؤية هذا العامل قوياً في ضغط روسيا في غير صالح إسرائيل و ضد رغبة الولايات المتحدة من أجل إصدار بيان يمهد لطلب مباشر بوقف الإعتداءات الإسرائيلية. كما يجب ألا ننسى وضع إيران المقلق و التى لن يرضي الغرب تحت أي ظرف أن تثار بشكل يدعوها للتدخل العسكري في العراق مثلاً
و حزب الله ايضاً عليه إيجاد طرق يستطيع بها توفير إمدادات لوجيستية هو يحتاجها بشدة في ضوء حصار شديد للبنان، كما عليه أن يصمد و يظهر بنفس المظهر القوي الذي يظهر عليه الآن طوال فترة الحرب والتي لو إنتهت بوقف غير مشروط لإطلاق النار – و هو ما أتوقعه – فسوف يكون إنتصار باهر لحزب الله
إنها أوقات عصيبة لحزب الله، لكن الحرب ليست سهلة. فقط لندعوا الله أن تنتهي هذه الحرب سريعاً بوقف إطلاق النار أو حتى ما هو أفضل – لكنه مستبعد - بضربة موجعة في قلب إسرائيل تدفع الإسرائيليين إلى حمل حكومتهم على تهدأة الأوضاع
فلننتظر ما سوف تحمله لنا الأيام، داعيين الله لما هو خير، و طبعاً لا تنسوا الدعاء لأهم من في هذه المواجهه؛ المدنيون من الطرفين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
راجع مدونتي السابقة بعنوان تواطؤ و لا غباء سياسي؟!!! – يوليو 14، 2006 *
(1) لم أكن أبداً مع الوجود السوري في لبنان، هذا فقط للتوضيح
(2) ما تزال الأحزاب اللبنانية تتصارع على السلطة منذ أزمة مقتل الحريري السنة الماضية، راجع نفس المدونة المذكورة أعلاه
(3) في نفس وقت الإفتتاح كان الجانب اللبناني يطالب بمحاكمة شقيقة "الحبيب" السوري